
من أنا؟
قد يظهر بأن الإجابة على سؤال “من أنا” أمرٌ يسيرٌ وبدهي، ولكن عند التوقف عند السؤال قليلاً تكتشف بأنه السؤال الأهم في حياتك كلها، إنه السؤال الذي عِشتَ منذ ولادتك حتى هذه اللحظة وأنت تُشكّل إجابته، فإنَ كل ما تقوم به في حياتك يتضمن في باطنه إجابة على سؤال “من أنا”. وإن كل فكرة وكل شعور وكل فعل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسؤال “من أنا”. وحقيقة الأمر هي أن الواحد منا يجيب على هذا السؤال ويعيد تشكيل إجابته في كل لحظة، ذلك لأن “الذات” تتجدد مع كل مدخل تتلقاه، ومع كل فكرة تعقلها، ومع كل فعل تأتي به، وتتجدد مع كل ذلك الإجابة على سؤال “من أنا”.
على كل حال، من أنا؟
إن كنت سأجيب عليه من منظور الاختصاص المهني والعملي فإنا مختصٌ بالاتصال التسويقي والتسويق الاستراتيجي وشغوف به أعمل فيه.
وإن كنت سأجيب عليه من منظور حالتي الاجتماعية فأنا زوجٌ لزوجةٍ حالمةٍ رشيدة، وأبٌ لابنٍ رضيٍ صدوق وبنتٌ مفعمةٌ بالحياة وابنٌ رضيعٌ مازال في طور التشكل. وأنا ابنٌ لوالدٍ عطوف سلب الزهايمر قدراً كبيراً من ذاكرته وأمٍّ ذات طلةٍ بهية ونفْسٍ سخيةٍ مع الناس انتقلت إلى جوار بارئها. وأنا أخٌ لأخوين قدوتين و٤ أخواتٍ رؤوفاتٍ وديعات.
وإن كنت سأجيب عليه من منظور اهتماماتي فإني مهتمٌ بالشأنِ الثقافي، والمجالِ الفكري والفلسفي والأدبي، والتراثِ الإسلامي. ومهتمٌ كذلك بصحة البدن ورياضته.
وإن كنت سأجيب عليه من منظور هواياتي فإني شغوفٌ بالقراءةِ والتصويرِ والفنون، أحبُ الكتابةَ ولا أُجيدها.
وأن كنت سأجيب عليه من منظور صفاتي الشخصية فأنا شخصٌ هادئٌ المزاجِ بطبعي، مُسالم، مجبولٌ على الحِلم والأناة، قليلُ الصبرِ سريعُ التملّلِ كثيرُ التشتت. تميلُ نفسي لاصطفاء القليل من الأصدقاء من بين الكثير من المعارف، وتَجَنُّب الجموع ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. أُحبُّ إعمال عقلي في التأملَ والتفكُّر، والتعرُّف على أصولِ الأشياء ومصادرها.
وإن كنت سأجيب عليه بمنظور ما أقوم به في يومي وليلتي فإني منشغلٌ بمجاهدة نفسي، وتزكيتها، وحملها على التصبّر والرضا والتوكّل على الله تعالى، والتعرُّف على أمراض قلبي وعلاجها. والسعي لأداء واجباتي والقيام بمسؤولياتي حق القيام.
لكن كل ما مضى هي أجزاءٌ متفرقةٌ مني، وجوانب متعددةٌ تشكل في مجملها ماهيتي وذاتي. فإن الإنسان لا يمكن أن يُعَرَّف حقاً من خلال جزءٍ منه كمهنته أو هواياته. وقد كانت نفسي ترى دوماً وجود صفةٍ جامعةٍ تَلُمُّ هذا الشتاتِ وتحيطُ به. فما فَتِئت نفسي تبحث وضلّت تبحث، فأثارت زوابع، واسطَنَعَت مُشكلات، وخاضَت طُرُقاً وعرة، وقادني البحث نحو السعي لإدراك الغاية من الوجود، ولماذا خلقنا، وما حقيقة الحياة، وما مصدر الوجود. فخضت في المباحث الفلسفة والمصادر الغيبية، حتى استَقَرّيتُ على إجابةٍ قَنُعَت نفسي بها ورَضِيَت، وهي أن حقيقة الإنسان تكمن في كونه “عَبْد”. فالعبوديةُ هي الصفةٌ الجامعةٌ التي تجمعُ في مضمونها حقيقةَ الإنسان. فهي تُفضي إلى أنَّ الإنسانَ لا يملكُ نفسهُ بنفسهِ بل هو مستأمنٌ عليها، فسعيه النافع في الحياة يكمن في معرفةِ أوامرِ المُستأمِن والمالك الأعلى سبحانهُ وتعالى ونواهيه والعيش بمقتضاها. والعبودية تتضمَّن معنى المخلوقية، فإن كان للنفس خالقٌ فلابد وأن الخالق أوجدها لغرضٍ مخصوص، ومعرفة الغرض من شأنه أن يجيب عن السؤال الفطري للإنسان حول معنى الحياة والمغزى من كل شيء. والمخلوقية تعني كذلك بأنَّ النفس خُلِقَت في عالم آخر لا نراه ولا نبصره ولا تدركه حواسنا، وأن ذلك العالم الغيبي هو الأصل وأن العالم المرئي المحسوس عارضٌ ومؤقت، ففلاح الإنسان يتحقّق عبر إتيان العمل الصالح ممتدُّ الأثَر إلى ذلك العالم الغيبي. والعبودية تتضمَّن معنى الفقر والحاجة الدائمة للالتجاء إلى الغني الوكيل، الرازق الواهب سبحانه وتعالى، فالإنسان لا يمكن أن تقومَ نفسه بنفسه، فهو في دوام الحاجةِ إلى إمداد الله سبحانه وتعالى ليدوم عيشه في هذا العالم المحاط بعناية الحي القيوم.
كل هذا يقود إلى التساؤل الجوهري: أي جزءٍ من الذات تتمثل فيه حقيقة الإنسان؟ أفي الجسد أم في الذاكرة أم النفس أم الشخصية، أم في شيءٍ آخر؟
والإجابة التي استَقَر بحثي عليها هي إن للإنسان ذاتين اثنتين، واحدةٌ حقيقةٌ أبدية تنتمي إلى عالم الغيب وتعيش فيه تتمثل في “الروح”، وذاتٌ مؤقتةٌ تعيشُ في هذا العالم المحسوس نشأت من اشتباك الروح بالجسد وتتمثّل في “النفس”، ومهمة الإنسان في هذه الحياة هي حمل النفس على العيش وفق مقتضيات الروح، وهذا هو عين التزكية والمجاهدة، وبه تتحقق للنفس طمأنينتها وسعادتها في الدنيا الفانية، والآخرة الباقية.
إن كنت ما تزال مستمرّاً في قراءة هذا كلام فإني أقدم لك شديد الاعتذار على الإطالة فى الإجابة، والإسهاب في الكلام، فقد سعيت للاختصار ولكن ما وجدت للاختصار في الإجابة عن سؤال “من أنا” من سبيل.
وأخيراً، فإني استعير من الجاحظ استعاذته التي استفتح بها كتاب “البيان والتبيين” لأختم بها:
“اللهم إنا نعوذُ بك من فتنة القول، كما نعوذُ بك من فتنة العمل، ونعوذُ بك من التكلّف لما لا نُحسِن، كما نعوذ بك من العُجب بما نُحسِن، ونعوذ بك من السَلّاطة والهذر، كما نعوذ بك من العي والحصر”